الشيخ محمدجواد البلاغي النجفي
265
آلاء الرحمن في تفسير القرآن
الكلام ووجهه اليه ولا يرتبط بغيره الا بالقرينة كما هو الشأن في كل كلام له حظ من البلاغة والاستقامة . وفسروا القسط بالعدل . والظاهر إرادة التقارب في المعنى لا الترادف والاتحاد في المفهوم . فان الاستعمال وما ورد في القرآن الكريم ينافيان ذلك لأنه يقال عادل ولا يقال قاسط الا للجائر ونحوه . بل يقال لما يجعلونه بمعنى العادل مقسط وان اقسط يعدى بإلى كما في قوله تعالى في سورة الممتحنة 8 أَنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ والعدل لا يعدى بإلى وأظن ذلك منهم كتفسير الظلم بالجور مع أن الجور لا يتعدى الا بعلى . والظلم يتعدى بنفسه فإنهم يفسرون اللفظ بما يقاربه في المعنى حيث لا يجدون له مرادفا . ومن الظاهر في التبادر ان الجور أبلغ في العدوان من الظلم . وقد استفاض في حديث الفريقين في المهدي ( ع ) يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، وفي سورة الحجرات 9 فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وأَقْسِطُوا والظاهر من ذلك هو التأسيس لا التأكيد . وقال اللَّه تعالى في سورة المائدة 11 شُهَداءَ بِالْقِسْطِ فالقسط انسب بالشهادة من العدل والقائم بالشيء هو محققه ومجريه ومديمه اي شهد اللَّه وهو المجري للقسط والحق ومديمه في الشهادة وغيرها . فما أعظمها وما أكبر شانها من شهادة * ( لا إِله إِلَّا هُوَ ) * وهذا تأكيد للمشهود به بعد الاخبار به كما تقول اشهد بكذا وهو كذلك * ( الْعَزِيزُ ) * في إلهيته ووحدانيته * ( الْحَكِيمُ ) * في اعماله [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 19 ] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّه الإِسْلامُ ومَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ومَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّه فَإِنَّ اللَّه سَرِيعُ الْحِسابِ ( 19 ) 17 * ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّه الإِسْلامُ ) * قد مر تفسير الإسلام في الآية الثانية والعشرين بعد المائة ، وتفسير الدين في التاسعة والثمانين بعد المائة من سورة البقرة . وان دين الإسلام هو دين الفطرة الذي تجلت فيه أدلة العقل والنظر في ملكوت العالم ودعوة الأنبياء والرسل وصراحة الكتب الإلهية المشهود لها بدلالة المعجزات . وقد بقي ما يكفي في ذلك فيما حرف من التوراة والإنجيل * ( ومَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) * في هذا الدين وهم بنو إسرائيل وخصوص اليهود والنصارى فتقلب الغالب من بني إسرائيل في الشرك من يوم مروا على عبدة الأوثان وذلك بعد ما اسلموا لموسى ورأوا الآيات النيرات في مصر وانشقاق البحر لهم وعبورهم فيه على الأرض اليابسة فقالوا لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة « 1 » ويوم عبدوا العجل واستمروا على التقلب في الشرك في أجيالهم كما هو
--> ( 1 ) كما في سورة الأعراف 134 - 137